إن التوكل على الله عبادة الصادقين، وسبيل المخلصين، أمر الله تعالى به أنبياءه المرسلين، وأولياءه المؤمنين، قال رب العالمين: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِير}
وأمر به المؤمنين:
فقد قال الله تعالى في سبعة مواضع من القرآن :{وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}

والتوكل في اللغة الأعتماد على الغير في أمر ما، وإصطلاحا: صدق إعتماد القلب على اللّه تعالى في إستجلاب المصالح ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة [العلوم والحكم لابن رجب (409)].

التوكل والأخذ بالأسباب.
لابد هنا من لفت الإنتباه إلى ثلاثة أمور:
الأمر الأول: أنّ التوكل لا ينافي الأخذ بالأسباب.
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: قال رجل: يا رسول اللّه أعقلها وأتوكّل، أو أطلقها وأتوكّل؟ -لناقته- فقال صلى الله عليه وسلم: «اعقلها وتوكّل» [سنن الترمذي].
وثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل اللّه تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى}.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه : «لا تبشّرهم فيتكلوا» دليل على أنه لابد من بذل الأسباب وعدم الاتكال.
الأمر الثاني: نأخذ بالأسباب وإن كانت ضعيفة في نفسها.
ولذلك أمر الله تعالى أيوب عليه السلام أن يضرب الأرض برجله بعد أن دعا لمرضه، وهل ضربة الصحيح للأرض منبعة للماء؟ لا، ولكن الله يريد أن يعلمنا أنه لابد من ألأخذ  بالأسباب وإن كانت ضعيفة، فالأمر أمره، والكون كونه، ولكن لابد من الأخذ بالأسباب.
ولما أراد الله أن يطعم مريم وهي في حالة “وهن” وضعف أمرها أن تهز جذع النخلة.
الأمر الثالث: أن لا يعتمد عليها، وإنما يجعل اعتماده على الله تعالى.
اذا السبب ولو كان يسيراً، واعلم أنّ الله هو مسبب الأسباب، ولو شاء أن يحول بين السبب وأثره لفعل سبحانه،

ولذا لما أُلقي إبراهيم في النار لم يحترق لأن الله قدر ذلك، وإسماعيل عليه السلام لما أمرَّ أبوه” بذبحة” بالسكين  وهي سبب في إزهاق الروح لم تزهق روحه لأن الله لم يأذن في ذلك.
فلا يتعتمد إلا على الله، وتتأخذ بالأسباب، لأن الله يقدر الأمور بأسبابها.